الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

103

مختصر الامثل

وبدون استثناء ؟ ! الجواب على هذا السؤال واضح ، لأنّ السؤال لو كان للاستعلام والاستفهام ، وبهدف الوقوف على الحقيقة لم يصح أن يقع من العالِم العارف . وأمّا إذا كان المقصود منه هو إلفات الشخص إلى ما عمله ، أو إتمام الحجة عليه ، أو ما أشبه ذلك ، لم يكن في ذلك بأس ولا ضير ، إذ يشبه ذلك تماماً ما لو أسدينا إلى أحد خدمات كثيرة وقابَلَنا بالإساءة والخيانة ، وكان كل ذلك معلوماً معروفاً عندنا ، ومع ذلك فإنّنا نسائله ونقول : ألسنا قد أسدينا إليك كذا وكذا من الخدمة ؟ فهل كان هذا جزاء الإحسان إليك ؟ إنّ مثل هذه المساءلة ليست لاكتساب العلم ، واكتشاف الحقيقة المجهولة ، بل هي لتفهيم الطرف الآخر وإيقافه على الحقيقة . في الآية اللاحقة - تكميلًا لمبحث المعاد - يشير تعالى إلى قضية « وزن الأعمال » الذي جاء ذكره في السور القرآنية الأخرى مثل ما جاء في سورة « المؤمنون » في الآية ( 102 و 103 ) وسورة « القارعة » الآية ( 6 و 8 ) . فيقول أوّلًا : إنّ وزن الأعمال يوم‌القيامة أمر واقع لا ريب فيه : « وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ » . إذن ، فالمسلم هو أنّ أعمال الإنسان توزن في يوم القيامة بأداة خاصة لا بواسطة موازين مثل موازين الدنيا ، ويمكن أن تكون تلك الأداة نفس وجود الأنبياء والأئمة والصالحين ، وهذا ما يستفاد - أيضاً - من الأحاديث المروية عن أهل البيت عليهم السلام . بل إنّ أولياء اللَّه في هذا العالم هم أيضاً مقاييس للوزن والتقييم ، ولكن حيث إنّ أكثر الحقائق في هذا العالم تبقى خلف حجب الإبهام والغموض ، تبرز في يوم القيامة بمقتضى قوله تعالى : « وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ » « 1 » . وتنكشف هذه الحقائق وتنجلي للعيان . ثمّ إنّه تعالى يقول في المقطع الآخر من الآية : « فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَن خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بَايَاتِنَا يَظْلِمُونَ » . إنّ من البديهي أنّ المراد من الخفّة والثقل في الموازين ليس هو خفة وثقل نفس الميزان ، بل قيمة ووزن الأشياء التي توزن بواسطة تلك الموازين ، وتُقاس بتلك المقاييس . إنّ جملة « كانوا بآياتنا يظلمون » إشارة إلى أنّ مثل هؤلاء لم يظلموا أنفسهم فحسب ، بل

--> ( 1 ) سورة إبراهيم / 48 .